محمد أبو زهرة

2868

زهرة التفاسير

وفي بعض هذه الوجوه نظر ، فالدعاء بطلبه المعصية معصية وليس بدعاء يدخل في باب العبادة ، وتجاوز المراتب الإنسانية شطط وليس بدعاء . واللّه تعالى لا يستجيب إلا لما يكون حقا ، ولا يقبل من الدعاء إلا ما يكون خالصا لله ، ولا يكون قاطعا عن الحياة ومطالبها ، فإنه لا رهبانية في الإسلام . ويقول - سبحانه - في عمارة الأرض والدعاء مع الإصلاح : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) . ذكرنا أن من الاعتداء في الدعاء ، أن ينصرف عن العمل في الدنيا كاسبا متكلا على الدعاء كما يفعل الرهبان ، وإنما يجب مع ذكر اللّه أن يندمج مصلحا في الأرض منتجا مثمرا فإن ذلك فيه إرضاء لله ؛ لأن فيه خيرا للعباد ونفعا لهم ، و « خير الناس أنفعهم للناس » « 1 » . وإن اللّه تعالى في وسط الأمر بالدعاء نهى عن الإفساد في الأرض ، ويتضمن ذلك العمل فيها بالإنتاج والإنماء يقوله تعالى : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها . إصلاح الأرض : خلقها صالحة لأن يعيش عليها الإنسان في زرعها وغرسها ، ومستمتعا بكل حلالها وطيباتها ، وقد أرسل الرسل منذرين ومبشرين ، وهداة إلى الحق ومصلحين وعاملين للخير . وإفسادها إشاعة الظلم ، وإفساد ما تنتج ، والتعدي التعاون على الإثم والعدوان وقطع الأشجار وحرق الثمار ، وجاء في القرطبي ( تجارة الحكام من الفساد في الأرض ) .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .